مسيح بن حكم الدمشقي

61

الرسالة الهارونية

بها ، ولا تقوم واحدة منها إلا بالأخريات ، وهي الدم والبلغم والصفراء والسوداء . ثم أسكن هذا الخلق بعضه في بعض ، فجعل مسكن اليبوسة والبرودة في السوداء ، ومسكن البرودة والرطوبة في البلغم ، وجعل مسكن الحرارة والرطوبة في الدم ، وجعل مسكن الحرارة واليبوسة في الصفراء « 93 » . فايّ جسد اعتدلت فيه هذه الطبائع الأربع ، وكانت كل واحدة منهن لا تعدو على الأخرى ، ولا تزيد على مقدارها ، ولا تنقص منه ، اعتدل جسمه وقويت صحته واستقام أمره . فإن زادت واحدة على الأخرى دخل السقم في البدن من قبل النقصان كما دخل عليه من قبل الزيادة . والطبيب الماهر العالم بالطبائع والأجساد يردّ كل واحدة [ منها ] إلى حالها وإلى ما كانت عليه : ينقص من الزيادة ويزيد على النقصان إذا هو عالم من أين يأتي سقم الجسد ، من قبل الزيادة أو من قبل النقصان . فيعالج بالدواء يزيد في الناقصة وينقص من الزيادة حتى يستقيم الجسد ويعود إلى فعلته الأولى بحمد الله تعالى « 94 » . قال مسيح بن حكم اتفق أبقراط الفاضل وفلطيس الهندي وجالينوس اليوناني على تركيب الإنسان فقالوا العظم تركيبه من التراب * وكل شيء شديد في الإنسان فأصل تركيبه من التراب ، واللحم « 95 » وكل شيء لين تركيبه فأصله من الماء ومن الحرارة [ الشديدة والبرودة ] « 96 » . فإن مالت بالإنسان طبيعته إلى الحرارة واليبوسة كانت غريزته سفها وطيشا ، * وإن مالت به إلى البرودة والرطوبة كانت غريزته حلما وعقلا « 97 » ، فإن مالت به إلى الحرارة والرطوبة كان حسن الخلق سهل الوجه جاريا في أفعاله لينا في عزمه كريما في فعله جوادا حليما معتدل الأخلاق ، وإن مالت طبيعة الإنسان إلى اليبوسة والبرودة كان فظّا غليظا ترفا . وإن مال طبع الإنسان إلى الماء « 98 » كان كريما مرويا رؤوفا رحيما سهلا جوادا « 99 » .

--> ( 93 ) . ت : مسكن اليبوسة في السوداء والبرودة في البلغم والرطوبة في الدم والحرارة في الصفراء . ( 94 ) . بحمد الله تعالى ، ساقط من ج ود . ( 95 ) . من * ساقط من ت . ( 96 ) . من ب . ا وج : الماء وهي الحرارة الشديدة ومن البرودة ، د : الحرارة الشديدة ، ت : الحرارة الشديدة البرودة . ( 97 ) . من * ساقط من ت . ( 98 ) . إلى الماء ، ساقط من ب . ( 99 ) . زيادة في ج ود : رخيما .